الشيخ محمد النهاوندي

508

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في الثاني أكمل من الأول ، ولا ينافي هذه الدرجة من الخلوص وجود الخوف من العقاب ، أو الرجاء للثواب ، فانّهما في المرتبة المتأخّرة ، كما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جميع المراتب من الخلوص . ومن المعلوم أنّ من كان له جميع المراتب أفضل وأكمل ممّن كان له مرتبة الرجاء للثواب ، فما ذكرنا ظهر فساد ما حكاه الفخر الرازي عن أبي بكر الباقلاني في هذه الآية من قوله : إنّ الآية الواردة في شأن علي عليه السّلام إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً « 1 » وهذه الآية الواردة في حقّ أبي بكر إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى فدلّت الآيتان على أنّ كلّ واحد منهما فعل ما فعل لوجه اللّه ، إلّا أنّ آية عليّ يدلّ على أنّه فعل ما فعل لوجه اللّه وللخوف من يوم القيامة على ما قال : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً وأمّا آية أبي بكر فانّها دلّت على أنّه فعل ما فعل لمحض وجه اللّه من غير أن يشوبه طمع فيما يرجع إلى رغبته في ثواب أو رهبته من عقاب ، فكان مقام أبي بكر أعلى وأجلّ « 2 » . مع أنّ نزول الآية في حقّ أبي بكر غير ثابت ، وإنّما حكاه الفخر الرازي عن القفّال الذي هو أحد مفسّري العامة ، فانّه قال : نزلت هذه السورة في أبي بكر وإنفاقه على المسلمين ، وفي اميّة بن خلف وبخله وكفره باللّه « 3 » . ولا يقاوم قول هذا الناصب قول ابن عباس الذي هو حبر هذه الأمة وأستاذ المفسّرين من أنّها نزلت في حقّ أبي الدّحداح والبخيل الذي كان يدخل إصبعه في فم صغار الفقير ليخرج ثمر نخلته من فيهم ، كما مرّ عن ( المجمع ) « 4 » . وروى الفخر الرازي عنه أنّه نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذّبوا محمّدا والأنبياء قبله « 5 » ، ولم يحك عنه القول بأنّ المراد بالأتقى أبو بكر . نعم روى بعض العامة أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله مرّ ببلال بن رباح « 6 » الحبشي وهو يقول : أحد فقال عليه السّلام : « أحد يعني اللّه الأحد ينجيك » ثمّ قال ، أبي بكر : إنّ بلالا يعذّب في اللّه » فعرف مراده ، فانصرف إلى منزله ، فأخذ رطلا من ذهب ، ومضى به إلى اميّة بن خلف ، فقال له : أتبيعي بلالا ؟ فقال : نعم ، فاشتراه وأعتقه ، فقال المشركون : ما أعتقه أبو بكر إلّا ليد كانت له عنده ، فنزلت « 7 » . أقول : الظاهر من الآية مدح الأتقى الذي يؤتي ماله في سبيل اللّه ، وهو موافق لإعطاء أبي الدّحداح ،

--> ( 1 ) . الإنسان : 76 / 9 و 10 . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 205 . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 197 . ( 4 ) . مجمع البيان 10 : 759 . ( 5 ) . تفسير الرازي 31 : 202 . ( 6 ) . في النسخة : رياح . ( 7 ) . تفسير أبي السعود 9 : 168 ، تفسير روح البيان 10 : 451 .